قالَ المِصْباحُ الكَهْرَبائي مَسْرُورًا: مَا أَكْثَرَ سَعَادَتِي، وَأَنَا أَنْشُرُ الصِّيَاءَ! سَمِعَهُ مِصْبَاحٌ نَفْطِيٌّ قَديمٌ، يَرْقُدُ عَلَى ظَهْرِ خِزَانَةٍ، فَقَالَ لَهُ: ما أَعْظَمَكَ يا وَلَدي وأَنْتَ تَنْفَعُ الْآخَرِينَ الْتَفَتَ المِصْباحُ الكَهْرَبائي إلى المِصْباحِ القَدِيمِ، وَسَأَلَهُ: مَنْ أَنْتَ؟ فقال المِصْباح القَديمُ: أنا أحَدُ أَجدادِكَ، شَهِدْتُ ميلادك، وفَرِحْتُ بِكَ كَثِيرًا. فقال المِصْباحُ الكَهْرَبائي: لِماذا فَرِحْتَ بي؟ فقال المصباح القَديمُ : لِأَنَّكَ تُواصِلُ عَمَلي، وتَنْسُرُ الضّياء.
كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه خليفة المسلمين، وكان يحرص على متابعة الرعية. فكان يخرج ليلًا متخفيًا، يتجول في المدينة، ليرى كيف يعيش الناس؟ وبينما كان أمير المؤمنين يتجول ليلاً مع خادمه، سمع صوت امرأة عجوز تأمر ابنتها أن تمزج اللبن بالماء حتى يكثر وتربح أكثر عند بيعه في الصباح، لكن الفتاة، رفضت ذلك وقالت لأمها : ألم ينه أمير المؤمنين عن خلط اللبن بالماء. فردت الأم يا بنيتي، إن عمر لا يرانا الآن. فقالت الفتاة : إن كان عمر لا يرانا، فإن الله يراناسمع عمر بن الخطاب هذا الحديث وأُعجب بأمانتها وخوفها من الله، فعاد إلى بيته يفكر في أمرها، وفي الصباح، أرسل عمر رضي الله عنه ليسأل عن الفتاة وأهلها، ثم استدعى ابنه عاصمًا وطلب منه أن يتزوج بالفتاة، وبالفعل تزوجها عاصم بن عمر، وأنجب منها ابنةً صالحة، كانت أمَّ الخليفة العادل عمر بن عبد العزيز.
ذَاتَ صَبَاحٍ جَمِيلٍ، كَانَ الْفَتَى سَالِمٌ يَعْمَلُ فِي مَكْتَبَةِ الْأُسْتَاذِ عَبْدِ اللَّهِ، وَكَانَ الْأَسْتَاذُ عَبْدُ اللَّهِ رَجُلًا فَاضِلًا يَشْتَهِرُ بِالصِّدْقِ وَحُسْنِ الْمُعَامَلَةِ. وَفِي أَحَدِ الْأَيَّامِ، دَخَلَ أَحَدُ التَّلَامِيذِ إِلَى الْمَكْتَبَةِ، فَاشْتَرَى كُتُبًا وَأَدَوَاتٍ مَدْرَسِيَّةً، ثُمَّ قَدَّمَ النُّقُودَ لِسَالِمٍ، فأعطاه الْبَاقِيَ. وَبَعْدَ أَنْ غَادَرَ التِّلْمِيذُ ، انْتَبَهَ سَالِمٌ أَنَّهُ أَعَادَ لَهُ مَبْلَغَا أَكْبَرَ مِنَ الْمُسْتَحَقِ، فَقَالَ: يَا أُسْتَاذِي، لَقَدْ وَقَعَ خَطَأً فِي الْحِسَابِ، فَمَاذَا أَصْنَعُ؟فَقَالَ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ اللَّهِ: يَا بُنَيَّ أَعِدِ الْمَالَ إِلَى صَاحِبِهِ، فَالصِّدْقُ وَالْأَمَانَةُ خُلُقُ الْمُؤْمِنِ. فَخَرَجَ سَالِمٌ مُسْرِعًا ، وَلَحِق بِالتِّلْمِيذِ ، وَسَلَّمَهُ الْمَبْلَغَ الزَّائِدَ، فَفَرِحَ التَّلْمِيذُ وَقَالَ: شُكْرًا لَكَ، بَارَكَ اللهُ فِيكَ. عَادَ سَالِمٌ إِلَى الْمَكْتَبَةِ مَسْرُورًا، فَنَظَرَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ مُبْتَسِمًا وَقَالَ: هَكَذَا يَكُونُ الْإِنْسَانُ الصَّادِقُ.
( الساعة القديمة )فِي إِحْدَى زَوَايَا المَنْزِلِ، كَانَتْ هُنَاكَ سَاعَةُ حَائِطٍ قَدِيمَةٌ، تَتَأَرْجَحُ عَقَارِبُهَا، تَعُدُّ الثَّوَانِيَ بِصَبْرٍ، وَتَمْلَأُ المَكَانَ بِصَوْتِ دَقَاتِهَا. كَانَتِ السَّاعَةُ تَشْعُرُ بِالفَخْرِ، فَهِيَ الَّتِي تُضْبِطُ وَقْتَ العَائِلَةِ، وَتُرَافِقُهُمْ فِي كُلِ لَحَظَاتِهِم حتى جَاءَ الْابْنُ الْأَكْبَرُ وَمَعَهُ سَاعَةً إِلكْتُرُونِيَّةٌ جَدِيدَةٌ ، قَام بِوضْعِهَا عَلَى الْحَائِطِ المُقَابِلِ، وَقَالَ بِسَعَادَةٍ : هَذِهِ السَّاعَةُ أَدَقُّ وَأَجْمَلُ، لَنْ نَحْتَاجَ إِلَى تِلْكَ السَّاعَةِ القَدِيمَةِ بَعْدَ الْآنِ. فَشَعَرَتِ السَّاعَةُ بِالحُزْنِ، وَتَبَاطَأَتْ دَقَّاتُهَا، وَكَأَنَّهَا تَسْتَعِدُّ لِلنَّوْمِ الطَّوِيلِ. لَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَنْظُرُ إِلَيْهَا، وَلَمْ يَعُدْ صَوْتُهَا يُسْمَعُ. وذَاتَ يَومٍ، كَانَ عَلَى العَائِلَةِ الاسْتِيقَاظُ مُبَكِّرًا لِلذَّهَابِ إِلَى مَوْعِدٍ ضَرُورِي، وَلَكِنْ السَّاعَةُ الإِلِكْتُرُونِيَّةُ تَوَقَّفَتِ عَنِ العَمَلِ بِسِببٍ نَفِادْ بَطَّارِيَّتُهَا، وَلَمْ يَعُدْ أَحَدٌ يَعْرِفُ الْوَقْتَ.سَادَ الِارْتِبَاكُ، حَتَّى تَذَكَّرَ الأَبُ السَّاعَةَ القَدِيمَةَ، وأَسْرَعَ نَحْوَهَا وَنَظَرَ إِلَى عَقَارِبِهَا، ثُمَّ إِبْتَسَمَ قَائِلًا: السَّاعَةُ القَدِيمَةُ لَا تَخْذِلُنَا أَبَدًا عَادَتِ العَائِلَةُ تَعْتَمِدُ عَلَيْهَا ، وَبَدَأَ الجَمِيعُ يَنْظُرُ إِلَيْهَا بِتَقْدِيرٍ. بَيْنَمَا تَابَعَتْ عَقَارِبُهَا الدَّوَرانَ بِفَخْرِ ، وكَأَنَّهَا تَقُولُ: مَا زِلْتُ هُنَا، وَمَا زِلْتُ نَافِعَةً!